الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
43
مختصر الامثل
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هذَا رَبِّي هذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) أدلة التوحيد في السماوات : على أثر الكره الذي كان يحمله إبراهيم للأوثان وطلبه من آزر أن يترك عبادة الأصنام ، تشير هذه الآيات إلى نضال إبراهيم المنطقي مع مختلف عبدة الأصنام ، وتبين كيفية توصله إلى أصل التوحيد عن طريق الاستدلال العقلي الواضح . تبين أوّلًا أنّ اللَّه كما عرّف إبراهيم على أضرار عبادة الأصنام عرّفه على مالكية اللَّه وسلطته المطلقة على السماوات والأرض : « وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . « الملكوت » : من « ملك » بمعنى المالكية والحكم ، فالمقصود من الكلمة هنا حكومة اللَّه المطلقة على عالم الوجود برمّته . وكما أنّه في الختام يقول : إنّ الهدف من ذلك هو أن يصبح إبراهيم من أهل اليقين « وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » . لا شك أنّ إبراهيم كان موقناً يقيناً استدلالياً وفطرياً بواحدانية اللَّه ، ولكنه بدراسة أسرار الخلق بلغ يقينه حدّ الكمال . الآيات التالية تشرح هذا المعنى ، وتبين استدلال إبراهيم من أفول الكواكب والشمس على عدم ألوهيتها ، فعندما غطّى ستار الليل المظلم العالم كله ، ظهر أمام بصره كوكب لامع ، فنادى إبراهيم : هذا ربي ! ولكنه إذ رآه يغرب ، قال : لا أحب الذين يغربون : « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَاأُحِبُّ الْأَفِلِينَ » . ومرّة أخرى رفع عينيه إلى السماء فلاح له قرص القمر الفضّي ذو الإشعاع واللمعان الجذاب على أديم السماء ، فصاح ثانية : هذا ربي : ولكن مصير القمر لم يكن بأفضل من مصير الكوكب قبله ، فقد أخفى وجهه خلف طيّات الأفق .